منذ توقيع اتفاق السلام الشامل في السودان، جرى الاعتراف بكل اللغات السودانية باعتبارها لغات وطنية، الأمر الذي يتيح لأي جماعة أو قومية المطالبة بتدريس لغتها في المراحل الأولى من التعليم. غير أنّ هذا الحق الدستوري لم يسلم من الأصوات الرافضة، إذ عمد بعض الكتّاب إلى التهكم على محاولات بعض الجماعات السودانية ــ ومن بينها الفلاتة ــ تدريس لغتهم لأبنائهم، وذهب أحدهم إلى حد الادعاء بأن هناك من يدرّسون أبناءهم "سراً" لغة "بوركينا فاسو" وأنهم يسعون إلى إنشاء دولة عاصمتها "تلس".
هذه المزاعم تكشف نزعة استعلائية لا تستند إلى معرفة علمية ولا إلى حقائق تاريخية، إذ يتجاهل أصحابها أن الفلاتة أسّسوا ممالك وإمبراطوريات كبرى في غرب إفريقيا، جعلت من العربية لغة رسمية ومن الإسلام ديناً للدولة، مثل دولة ماسينا، ودولة فوتا تورو، ودولة الخلافة في سكوتو التي كانت قائمة حتى انهيار الخلافة العثمانية في إسطنبول. لقد دفع الفلاتة ثمناً باهظاً لتمسكهم بالعربية والإسلام، مرة عبر المواجهة مع القوى الاستعمارية التي حاربتهم بضراوة، ومرة أخرى عبر وكلاء الاستعمار الذين تولوا السلطة في أعقاب رحيله.
ولا يقف الأمر عند الماضي، بل إنّ بعض الخطابات الإعلامية السودانية المعاصرة ما تزال تُظهر عداءً غير مبرر للفلاتة، متجاهلةً حقيقة أنّهم يشكّلون جزءاً أصيلاً من النسيج الإسلامي واللغوي في القارة، وأنهم كانوا سدّاً منيعاً أمام مشاريع التبشير والتنصير في إفريقيا. غير أن ما يثير الدهشة حقاً هو صدور مثل هذه الخطابات من بعض الكتاب المنتمين إلى الحركة الإسلامية، أي من أناس يُفترض أنهم يحملون مشروعاً إسلامياً جامعاً، فإذا بهم ينظرون إلى مسلمين آخرين باعتبارهم "عجماً" يسعون إلى تهديد الهوية الوطنية.
هذا الموقف يتناقض جذرياً مع القيم القرآنية التي جعلت من التنوع اللغوي والعرقي آيةً من آيات الله:
> ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22).
لقد شكّلت هذه الكتابات التحريضية، على قسوتها، نقطة انطلاق إيجابية للعديد من أبناء الفلاتة في البحث عن لغتهم وإحيائها. فقد دفعهم الاستعلاء الثقافي إلى الالتفات نحو تراثهم اللغوي، فظهرت مواقع إلكترونية متخصصة تنشر محتوي باللغة الفولانية "الفلفلدي"، وانتشرت المنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصاً أكبر للتعارف والتقريب بين لهجات الفلاتة المتعددة. إنّ هذا التفاعل الحيّ يعكس وعياً متجدداً بأن الاعتزاز بالهوية اللغوية لا يتعارض مع الانتماء الوطني، بل يشكّل إضافةً نوعية للنسيج الثقافي السوداني والإفريقي على السواء.
الهوامش
1. إسحق أحمد فضل الله، صحيفة الانتباهة، مقال حول قضايا الهوية واللغة، (2010).
2. إسحق أحمد فضل الله، صحيفة الانتباهة، مقال حول العلاقات بين المجموعات الثقافية في السودان، (2012).
3. Amadou Hampâté Bâ, L’empire Peul du Macina, Paris: Nouvelles Éditions Latines, 1955.
4. David Robinson, The Holy War of Umar Tal: The Western Sudan in the Mid-Nineteenth Century, Oxford: Clarendon Press, 1985.
5. Paul Lovejoy, Transformations in Slavery: A History of Slavery in Africa, Cambridge: Cambridge University Press, 2012 (راجع الفصل الخاص بدور الفولاني في غرب إفريقيا).
6. M.-C. Zappa, "Fulfulde Language and Identity in West Africa," Journal of African Languages and Linguistics 32, no. 2 (2011): 205–226.
7. محمود مختار أبو القاسم، الفلاتة في السودان: التاريخ والثقافة والهوية، الخرطوم: جامعة الخرطوم للنشر، 2004.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق